مصطفى صادق الرافعي
200
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
أشنب ، مفلّج الأسنان « 1 » دقيق المسربة « 2 » ، كأنّ عنقه جيد دمية في صفاء الفضة معتدل الخلق ، بادنا متماسكا « 3 » سواء البطن والصّدر « 4 » بعيد ما بين المنكبين ضخم الكراديس « 5 » أنور المتجرّد ، موضوعا بين اللبّة والسرة بشعر يجري كالخطّ ، عاري الثديين ما سوى ذلك ، أشعر الذراعين والمنكبين وأعالي الصدر ، طويل الزندين ؛ رحب الراحة ، شئن الكفين والقدمين ، سائل الأطراف « 6 » سبط العصب خمصان الأخمصين « 7 » مسيح القدمين ينبو عنهما الماء ، إذا زال تقلعا ، ويخطو تكفؤا ، ويمشي هونا « 8 » ذريع المشية : إذا مشى كأنما ينحطّ من صبب « 9 » ، وإذا التفت التفت جميعا « 10 » خافض الطرف ، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء جلّ نظره الملاحظة ، يسوق أصحابه ، ويبدأ من لقيه بالسلام » . قلت : صف لي منطقه ، قال : « كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم متواصل الأحزان ، دائم الفكرة ليست له راحة ، ولا يتكلم في غير حاجة ، طويل السكوت « 11 » ، يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه « 12 » ويتكلم بجوامع الكلم « 13 » فضلا لا فضول فيه ولا تقصير « 14 » دمثا ليس
--> ( 1 ) الفلج : فرق بين الثنايا . والشنب : رونق الأسنان وماؤها ، وقيل رقتها وتحزيز فيها كما يوجد في أسنان الشباب . والفم الضليع ؛ أي الواسع . ( 2 ) المسربة : خيط الشعر الذي بين الصدر والسرة . ( 3 ) البادن : ذو اللحم . والمتماسك : الذي يمسك بعضه بعضا ، أي هو بادن من عضل لا من شحم . ( 4 ) أي مستويهما ، فليس له بطن مرتفع ضخم . ( 5 ) الكراديس : رؤوس العظام . ( 6 ) سائل الأطراف : أي طويل الأصابع . وشئن الكفين والقدمين ؛ أي لحميهما . ورحب الراحة : أي واسعها . ( 7 ) أي متجافي أخمص القدم ، والأخمص : هو الموضع الذي لا تناله الأرض من وسط القدم . ومسيح القدمين : أي أملسهما . ( 8 ) الهون : الرفق والوقار . والتكفؤ : الميل إلى سنن الممشى وقصده . والتقلع : رفع الرجل بقوة ، وهذه صفات أقوى الناس في مشيته ، وهي تكون من تماسك الجسم ووزنه وشدته . ( 9 ) أي من علو ، والذريع الواسع الخطو . ( 10 ) أي لا يلوي بعض جسمه حين يلتفت ، بل ينفتل بجميع جسمه ، وهي حالة تكون من بلوغ القوة منتهاها . ( 11 ) في بعض الأحاديث : كان سكوته صلّى اللّه عليه وسلم على أربع : على الحلم ، والحذر ، والتقدير ، والتفكير . ( 12 ) أي يستعمل جميع فمه للتكلم ، لا يقتصر على تحريك الشفتين ، وذلك من قوة المنطق والصوت والمعنى ، وحضور الذهن واجتماعه . ( 13 ) هي التي تجمع المعاني الكثيرة في الألفاظ القليلة مع حكمة وسمو وبلاغة . ( 14 ) أي قولا فصلا يصيب به مقطع المعنى ، لا حشو فيه فيزيد ولا تقصير فيقلّ .